وقرينة ذلك كله قوله: {وأنت أحكم الحاكمين} المفيد أنه لا رادّ لما حكم به وقضاه ، وأنه لا دالة عليه لأحد من خلقه ، ولكنه مقام تضرّع وسؤال ما ليس بمحال.
وقد كان نوح عليه السّلام غيرَ منهيّ عن ذلك ، ولم يكن تقرر في شرعه العلم بعدم المغفرة للكافرين ، فكان حال نوح عليه السّلام كحال النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي طالب"لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك"قَبل أن ينزل قوله تعالى: {ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يسْتغَفروا للمشركين} [التوبة: 113] الآية.
والاقتصار على هذه الجمل الثلاث في مقام الدعاء تعريض بالمطلوب لأنه لم يذكره ، وذلك ضرب من ضروب التأدب والتردد في الإقدام على المسؤول استغناء بعلم المسؤول كأنّه يقول: أسألك أم أترك ، كقول أميّة بن أبي الصلت:
أأذكر حَاجتي أم قد كفاني...
حَياؤك أن شيمتك الحياء
ومعنى {أحكم الحاكمين} أشدهم حكْماً.
واسم التفضيل يتعلق بماهية الفعل ، فيفيد أن حكمه لا يجورُ وأنّه لا يبطله أحد.
ومعنى قوله تعالى: {إنّه ليس من أهلك} نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده ، فليس ذلك إبطالاً لقول نوح عليه السّلام: {إن ابني من أهلي} ولكنّه إعلام بأنّ قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة ، وهذا المعنى شائع في الاستعمال.
قال النابغة يخاطب عيينة بن حصن:
إذا حاولت في أسد فجوراً...
فإني لست منك ولست منّي
وقال تعالى: {ويحلفون بالله إنّهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون} [التوبة: 56] .
وتأكيد الخبر لتحقيقه لِغرابته.
وجملة {إنّه عَمل غير صالح} تعليل لمضمون جملة {إنه ليس من أهلك} ف (إنّ) فيه لمجرد الاهتمام.
و {عَمَلٌ} في قراءة الجمهور بفتح الميم وتنوين اللام مصدر أخبر به للمبالغة وبرفع {غيرُ} على أنه صفة (عمل) .
وقرأه الكسائي ، ويعقوب {عَمِلَ} بكسر الميم بصيغة الماضي وبنصب {غيرَ} على المفعولية لفعل (عمل) .