تنبيه: معنى ثم في قوله ثم فصلت ليس للتراخي في الوقت لكن في الحال كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. وقوله تعالى {من لدن حكيم خبير} أي: الله تعالى صفة أخرى للكتاب ، والتقدير: الر كتاب من حكيم خبير أو خبر بعد خبر والتقدير: الر من لدن حكيم خبير أو صلة لأحكمت وفصلت ، أي: أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير. وعلى هذا التقدير قد حصل بين أوائل هذه السورة وبين آخرها مناسبة لطيفة ، كأنه يقول تعالى: أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور ، وقوله تعالى:
{أن لا تعبدوا إلا الله} يحتمل وجوهاً: الأوّل: أن تكون مفعولاً له والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا الله. الثاني: أن تكون مفسرة ؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول ، قال الرزاي: والحمل على هذا أولى ؛ لأنّ قوله تعالى: {وأن استغفروا} معطوف على قوله تعالى: {أن لا تعبدوا} فيجب أن يكون معناه ، أي: لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفاً على النهي ، فإنّ كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. الثالث: أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم إغراءً منه على اختصاص الله تعالى بالعبادة ، ويدلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم {إنني لكم منه} أي: الله {نذير} بالعقاب على الشرك {وبشير} بالثواب على التوحيد ، كأنه قيل ترك عبادة غير الله تعالى بمعنى اتركوها إنني لكم منه نذير وبشير كقوله تعالى: {فضرب الرقاب} (محمد ،) .