وبعد أن بين الله عزّ وجل أن أولياءه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وجه لرسوله صلى الله عليه وسلم نهيا عن نوع من الحزن على ما عند أناس من عقائد أهل الكفر وأقوالهم وكلامهم وما يجهرون من ذلك فقال: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أي قول هؤلاء الكافرين والمشركين، أي اعتقاداتهم، وما يجهرون به، وما يؤذون به، مبينا له إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي فاستعن بالله، وتوكل عليه وثق به فإن له العزة: أي القوة كلها، وقد جعلها لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين هُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده الْعَلِيمُ بأحوالهم فيجازيهم، وينصرك في الدنيا والآخرة،
ثم عرض الله عزّ وجل نماذج من أقوال هؤلاء الكافرين مفندا إياها، مبينا كذبها من خلال تقرير العقيدة الحق أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ عبيدا وملكا وخلقا، فالكل ملكه وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أي والمتبوعون الذين يعبدهم المشركون من دون الله هم كذلك مملوكون لله، وإذ كان الأمر كذلك فكيف يكون هؤلاء شركاء لله؟ ومن أخبر المشركين أن آلهتهم شريكة لله في ألوهيته وربوبيته؟ الحقيقة أن المشركين يعبدون ما لا دليل لهم على عبادته، بل إنما يتبعون في
ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم إِنَّ أي ما يَتَّبِعُونَ في ذلك إِلَّا الظَّنَّ أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم وَإِنْ أي وما هُمْ إِلَّا
يَخْرُصُونَ أي يكذبون في ذلك، ثم أخبر تعالى أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه أي يستريحون فيه من تعبهم وكلالهم وحركاتهم، والنهار مبصرا مضيئا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم، فمن كان كذلك كيف يشرك به؟
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي لدلالات على وحدانيته لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي يسمعون سماع تدبر واتعاظ لهذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها،