للسكون لا سبب له (والظَّرْف الذي هُوَ سبب) وهو النهار فإنه كما أنه ظرف للإبصار سبب
له أَيْضًا فإن الضوء شرط الإبصار؛ إذ الضوء مبصر بالذات وما عداه مبصر بالواسطة، وأما
اللون وإن كان شرطًا لرؤية ما عداه لكنه يتوقف أَيْضًا في كونه مرتبًا عَلَى الضوء، فالضوء
موقوت عليه لجميع ما عداه. وفي سورة القصص قال الْمُصَنّف: ولعله لم يصف الضياء
بمقابله لأن الضوء نعمة في نفسه مقصود بذاته ولا كَذَلكَ الليل انتهى. وهذا أحسن مما
ذكره هنا. أما أولًا فلأن ما ذكر هنا يميل إلَى مذهب الحكماء فإن مذهب أهل الحق أن
الرؤية أمر بخلق الله تَعَالَى ولا يشترط بضوء ولا مقابلة ولا غيرهما، كما يشهد عليه مباحث
رؤية الله. والْقَوْل بأن الفرق بين السبب والشرط واضح والْمُصَنّف أثبت السببية له دون
الشرطية لا يفيد، إلا أن يقال: إنه أراد السبب العادي، وأما ثانيًا فلأن الْكَلَام في التَّنْبيه عَلَى
قدرته الكاملة لا الإشَارَة إلَى التفرقة الْمَذْكُورة، ثم إن مبصرًا إما صيغة النسبة كـ لابِن وتامِر أو
من قبيل الْمَجَاز العقلي. (سماع تدبر واعتبار) .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي
الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68)
قوله: (أي تبناه) لعل هذا قول بعضهم وإلا فما ذكروه من الأدلة يقتضي أنهم يقولون
بالتوليد حَقيقَة، أَلَا [تَرَى] أنه تَعَالَى ألزم عليهم الحجة فقال:(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى
يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)الآية. قال الْمُصَنّف هناك الولد
منها انتهى. فنفي الصاحبة في مقام الإلزام يدل عَلَى أنهم قائلون بالتوليد حَقيقَة ولو حمل
التبني عَلَى التوليد حَقيقَة لزال الإشكال لكنَّه خلاف المُتَعَارَف مع أنه لا يتناول اتخاذ البنات
وقوله: (اتخذ) ليس صريحًا فيما فسره به هنا؛ إذ النظم ورد في سورة البقرة
هكذا مع أنه حمله عَلَى التوليد حَقيقَة والتبني، كَمَا صَرَّحَ به آنفًا لكن فيه شامل. أما أولًا فلأنه
لا يتناول اتخاذ البنات، وأما ثانيًا فلأن الْمُتَبَادَر تسميته ابنًا فحِينَئِذٍ لا فساد فيه، كَمَا صَرَّحَ به
السيد الشريف في شرح المواقف حيث قال وسماه ابنًا تشريفأ وإكرامًا كما سمي إبْرَاهيم
عَلَيْهِ السَّلَامُ خليلًا.
قوله: (تنزيه له عن التبني) أو أمر بالتنزيه له عنه.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
مُبَالَغَة في تجهيلهم. علة نفي معنى المُبَالَغَة مُسْتَفَاد من نفي حجتهم عَلَى قولهم:(اتخذ اللَّه
ولدًا)بعد إقامة البرهان عَلَى بطلانه بقوله:(له ما في السَّمَاوَات وما في
الْأَرْض)فإن هذا البرهان دل بمفهومه عَلَى أن ليس لهم برهان عَلَى ذلك ثم
نفى عنهم البرهان بقوله عز وجل: (إن عندكم من سلطان) بهذا فالمُبَالَغَة
نشأت من النفي الصريح بعد النفي الضمني فكان نفير بعد نفي وفيه دليل إلَى آخره. وجه كونه
دليلًا على ذلك أن الاسْتفْهَام في أتقولون للإنكار والتوبيخ فاستفيد منه أن قولهم ذاك جهل لأنه
قول بما لا يعلم بدليل بل هُوَ مجرد تقليد عارٍ عن الحجة.