أي: أنه سبحانه جعل أشياء مما خلق أصلاً ؛ لتؤدي مهمة للمخلوق .
وفي حياتنا ولله المثل الأعلى نجد من يغزل من القطن خيوطاً ، وهناك من ينسج من تلك الخيوط قماشاً ، وبعد ذلك نجد من يأخذ هذا القماش ؛ ليجعل منه جلباباً أو بنطلوناً أو قميصاً أو لحافاً .
إذن: فالجعل هو أخذ من شيء مخلوق لمهمة . والخلق قد يترتب عليه مِلْك ، والجعل أيضاً قد يترتب عليه مِلْك ؛ فمن عمل قِدْراً من الطين هو مالكه ، ومن جعل من الطين إبريقاً إنما يملكه .
وهكذا نجد الخَلْق والجَعْل قد يترتب عليهما ملكية ما ، لكن الملكية المنسحبة بعد الخلق والجعل تجعلك تنتفع بالأشياء وقد لا تملكها ؛ لذلك نجد قول الحق سحبانه:
{أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار} [يونس: 31] .
والحق سبحانه خلق لنا الأنعام ، وذلَّلها لنا ، وملَّكها لنا ، وإذا قال الحق سبحانه:"مِلْك"فملكيته سبحانه لا تنتهي لأحد أبداً سواء من الخلق أو الجعل ، بل يَظل مملوكاً ؛ ولذلك قلنا: إن نقل الأعضاء هو تحكُّم فيما لا يملكه المخلوق ، بل يملكه الخالق سبحانه وتعالى .
يذكر الحق سبحانه الليل والنهار فيقول:
{هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} [يونس: 67] .
وكان مقتضى الكلام أن يقول:
جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتتحركوا .
وشاء سبحانه أن يأتي هنا بالأداء القرآني المعجز فقال: {والنهار مُبْصِراً} .
فهل النهار هو الذي يُبصر أم نحن؟
هل النهار مُبصِر أم مُبصَر فيه؟
وقديماً لم يكونوا قد وصلوا إلى الحقيقة العلمية التي وصلنا إليها الآن ، فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يخرج من العين إلى المرئي فتراه ، إلى أن جاء"الحسن بن الهيثم"العالم العربي المسلم ، وأوضح بالتجربة أن الضوء إنما ينعكس من المرئي إلى العين ، بدليل أن المرئي إن كان في النور وأنت في الظلام ، فأنت تراه وإذا كان الأمر بالعكس فانت لا تراه .