وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا بحلق شعر أو تقصير .. بل يوجدون في جميع طبقات الأمة. فيوجدون في أهل القرآن، وأهل العلم، وفي أهل الجهاد والسيف، وفي التجار والزراع والصناع ...
وليس من شرط الولي أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين .. ».
وبعد أن بين - سبحانه - ما عليه أولياؤه من سعادة دنيوية وأخروية، أتبع ذلك بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أعدائه من أذى فقال:، وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
أي: ولا يحزنك يا محمد ما قاله أعداؤك في شأنك، من أنك ساحر أو مجنون، لأن قولهم هذا إنما هو من باب حسدهم لك، وجحودهم لدعوتك.
والنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه - المراد به هنا النهي عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، ويصعب نسيانها.
وفي هذه الجملة الكريمة تسلية له صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور، حتى لا يتأثر بها عند وقوعها.
وقوله: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تعليل للنهى على طريقة الاستئناف، فكأنه صلى الله عليه وسلم قد قال: وما لي لا أحزن وهم قد كذبوا دعوتي؟ فكان الجواب: إن الغلبة كلها، والقوة كلها لله وحده لا لغيره، فهو - سبحانه - القدير على أن يغلبهم ويقهرهم ويعصمك منهم، وهو السَّمِيعُ، لأقوالهم الباطلة، الْعَلِيمُ بأفعالهم القبيحة، وسيعاقبهم على ذلك يوم القيامة عقابا أليما.