ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبي هي أقوال التكذيب والاستهزاء ، فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم.
وجملة: {إن العزة لله جميعاً} تعليل لدفع الحزن عنه ، ولذلك فصلت عن جملة النهي كأنَّ النبي يقول: كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعَة ، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك.
وهي أيضاً في محل استئناف بياني.
وكل جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضاً استئنافاً بيانياً ، فالاستئناف البياني أعم من التعليل.
وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بها ، ولأنَّه يفيد مفاد لام التعليل وفاء التفريع في مثل هذا المقام الذي لا يقصد فيه دفع إنكار من المخاطب.
ويحسن الوقف على كلمة {قولهم} لكي لا يتوهم بعض من يسمع جملة {إنّ العزة لله جميعاً} فيحسبه مقولاً لقولهم فيتطلب لماذا يكونُ هذا القول سبباً لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من قولهم: {إنّ العزّة لله} وإن كان في المقام ما يهدي السَّامع سريعاً إلى المقصود.
ونظير هذا الإيهام ما حكي أنّ ابن قتيْبة (وهو عبد الله بن مسلم بن قُتيبة) ذكر قراءة أبي حيْوة {أنّ العزّة لله} بفتح همزة (أن) وأعرب بدلاً من (قولُهم) فحكم أنّ هذه القراءة كُفر.
حكى ذلك عنه ابن عطيَّة.
وأشار إلى ذلك في"الكشاف"فقال:"ومن جعله بدلاً من (قولُهم) ثم أنكره فالمنكر هو تخريجه".
ولعل ابن قتيبة أراد أن كسر الهمزة وإن كان محتملاً لأن تكون الجملة بعدها معمولة ل {قولهم} لأن شأن (إن) بعد فعل القول أن لا تكون بفتح الهمزة لكن ذلك احتمال غير متعيَّن لأنَّه يحتمل أيضاً أن تكون الجملة استئنافاً ، والسياق يعيّن الاحتمال الصحيح.