الدائم: وهكذا كان الإلحاد الجديد صورة منسوخة من الأَول القديم وماله عليه من دليل، وقد بقي القرآن العظيم شامخًا شموخ الجبال الرواسى وتحطمت على صخوره كل مفترياتهم. {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : في هذه الجملة من الآية الكريمة توسع القرآن في دائرة التحدى وطلب منهم أَن يستعينوا بمن يستطعون الاستعانة به بشرًا أَو آلهة، وأَمهلهم ما شاءُوا ولا يزال في تحديه للبشر، ولكنهم - آخرهم كأَولهم - أمام إعجاز بما هو متنوع متفرع، فمنه الإعجاز اللغوى ومنه العلمى والتشريعى والغيبى، وكل منها لم يعارض، ولو كان ممكنًا لأَتُوا بمثله ولكن ظهر عجزهم وبطل ما قالوه ولزمهم الإفحام.
وكلمة (إِن) في قوله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : تفيد التشكيك في صدقهم، ليشعروا بهوانهم وبُقصورهم عن شرف الصادقين، وقوله {مِنْ دُونِ اللهِ} يشير إِلى أَنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى.
وصدق الله إذ يقول: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}
التفسير
39 - {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} :
لما ظهر عجزهم عن الإتيان بسورة مثله وتبين أَن ما قالوه باطل لا وجه له من الصواب بين في هذه الآية ما حملهم على تكذيب القرآن المشتمل على الحق الذي لا غاية وراءَه.