بينت الآية السابقة جزاءَ المحسنين، وجاءَت هذه الآية لتُبين عقاب المسيئين، وقد أَفادت أَنهم يجازون بالعدل المطلق، فلا تضاعف سيئاتهم كما ضوعفت حسنات المحسنين بل يجزون بقدرها وهم لا يظلمون، ونظرًا لترقُّبِهم وقوع سوء الجزاءِ تعلوهم وتحيط بهم ذِلة وهوان من شدّة الخزي وعقاب الله لهم، فهم بين أَلم حسى وألم نفسى وليس لهم من دون الله منقذ أَو مدافع يحميهم من عذابه الاَّليم، ثم بين الله تعالى أثر حيرتهم ويأسهم على وجوههم فقال:
{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} :
فإن زيادة آلامهم وشعورهم بالمذلة قد جعل وُجُوَهَهم كأنها مغطاة بقطع متراكمة من الليل المظلم لفرط سوادها وشدّة ظلمتها {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : أَي أُولئك الموصفون بالصفات الذميمة السابقة أَصحاب النار المستحقون لها فهي مقصورة عليهم لسوء فعلهم جزاءً وفاقًا:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ
مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
المفردات:
{فَزَيَّلْنَا} : فرقنا وفصلنا.
التفسير
28 - {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} :
تعرض الآية الكريمة وما تلاها مشهدًا من أَهوال البعث والنشور {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
إِذ ينساق الخلائق إِلى موقف الحشر من مشركين وما عبدوه من دون الله ومِن غيرهم لا يتخلف منهم أَحَدٌ، وفي حشر المشركين وما يعبدون يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} فإذا تقدموا سمعوا زجرًا عنيفًا حين يقال لهم بأمر الله: