{بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} هذا هو الثمن ، وهو وعد بشيء يأتي من بعد ، ولكنه وعد ممن يملك إنفاذه ؛ لأن الذي يقدح في وعود الناس للناس ، أنك قد تعدُ بشيء ولكن تظل حياتك ولا تفي به ، أو أن تقل إمكاناتك عن التنفيذ .
إذن: الوعد الحق هو ممن يملك ويقدر ، وحيّ لا يموت ، لذلك يقول في هذه الآية:
{إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة}
ويقول في آخرها:
{وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} و"وَعْد"مصدر ، فأين الفعل ، إننا نفهمها: أي وعدهم الله بالجنة وعداً منه سبحانه وهو الذي يملك وهو وعد حق . والقرآن حين يأتي بقضية كونية ، فالمؤمن يستقبلها بأنها سوف تحدث حتماً ، فإذا ما جاء زمنها وحدثت صارت حقّاً ثابتاً ، مثلما يقول سبحانه: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 173]
هذه قضية قرآنية ، حدثت من قبل وثبتت في الكون .
وماذا بعد أشتري الله من المؤمنين أموالهم وأنفسهم؟ هنا يحدد الحق المهمة أمامهم: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} و"قَاتَل"، و"قَتَلَ"غير"قَاتَلَ". فالقتل عمل من جهة واحدة ، لكن"قَاتَلَ"تقتضي مفاعلة ، مثلها مثل"شَارَكَ زيدٌ عَمْراً". وكل مادة"فاعَلَ"توضح لنا الشركة في الأمر ، فكل واحد منهم فاعل ، وكل واحد منهم مفعول . ولذلك تجد في أساليب العرب ما يدلك على أن ملحظ الفاعلية في واحد هو الغالب ، وملحظ المفعولية في الآخر هو الغالب ، ولكن على التحقيق فإن كل واحد منهم فاعل من جهة ، ومفعول من الجهة الأخرى .
فمثلاً: الرجل الذي سار في الصحراء التي فيها حيّات وثعابين ، ولم يُهج الرجل أثناء سيره الحيّات ولا الثعابين ، بل تجنبها ، والثعبان ما دُمْت لا تهيجه فهو لا يفرز سمّاً ؛ لأن سمّ الثعبان لا يفرز إلا دفاعاً .