وقوله تعالى: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} معناه أن الله تعالى تعهد لهم بالجنة، سواء قتلوا وعادوا بالأجر والغنيمة، أو قتلوا وفازوا بالأجر والشهادة، أو اجتمع لهم هذا وهذا فنالوا الحسنيين ما دام ذلك كله في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله.
وفيه أيضا إشارة إلى أن المؤمن الذي يقدم نفسه وماله للجهاد في سبيل الله يكون معنويا وماديا على كامل الاستعداد للتضحية والفداء، بحيث يجود بنفسه دون أدنى تحفظ ولا حساب، كيفما كانت النتيجة المرتقبة، وهذه الروح الفدائية العليا هي التي نوه بها كتاب الله ومدحها هنا إذ قال: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} .
ومن أجل هذا المعنى وصف المؤمن المقتول في الجهاد في سبيل الله بأنه"شهيد"، لأن إقدامه على الجود بنفسه في سبيل الله هو أقوى دليل يدل على قوة إيمانه، وصدق يقينه، وأكبر شهادة تشهد له على اعتزازه بدينه، وحماسه لملته، ووفائه لربه
بالبيعة التي في عنقه. أضف إلى ذلك أن الله وملائكته والمؤمنين يشهدون له بالجنة، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .
وقوله تعالى: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} تأكيدا لهذا الوعد الإلهي الناجز، وإشارة إلى أنه وعد قديم كتبه الحق سبحانه وتعالى على نفسه تفضلا وكرما، وكلف النبيئين والمرسلين بتبليغ بشراه إلى كافة المؤمنين. والتنصيص على التوراة والإنجيل والقرآن في هذا السياق إنما هو تخصيص بالذكر لأشهر الكتب المنزلة التي تضمنت هذا الوعد الإلهي الكريم.
وقوله تعالى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} خطاب من الله تعالى لمن بذلوا النفس والنفيس في سبيله، واعتبروا إعلاء كلمته في الأرض هو أعلى مثل يكرسون له جهودهم، ويصرفون فيه حياتهم، وفحوى هذا الخطاب تبشيرهم من جانب الحق سبحانه وتعالى بتصديقه التام على معاملتهم معه، ورضاه عنها وعنهم كامل الرضا، وتهنئتهم بما نالوه من الكسب الذي لا كسب فوقه، والربح الذي لا ربح بعده {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .