ثم ذكر سبحانه وتعالى بوعيد شديد، فقال: {وَسَتُرَدُّونَ} أي: وسترجعون بعد الموت، {إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي: إلى الله الذي يعلم ما غاب عن عباده، وما شوهد لهم؛ أي إلى الله الذي يعلم ما تسرونه، وما تعلنونه، وما تخفونه، وما تبدونه، وفي تقديم الغيب على الشهادة، إشعار بسعة علمه تعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء ، ويساوي عنده كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردّهم إليه فقال: {فَيُنَبِّئُكُمْ} أي: فيخبركم الله سبحانه وتعالى، {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، في الدنيا، فيجازيكم عليه فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويتفضل على من يشاء من عباده؛ لأن المجازاة من الله تعالى في الآخرة، لا تحصل إلا بعد الإخبار بعمله، ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم
106 - {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} أي: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك أقوام آخرون؛ أي: غير الذين مردوا على النفاق، وغير الذين اعترفوا بذنوبهم، مرجون؛ أي: بل هم مرجون {لِأَمْرِ اللَّهِ} ؛ أي: بل هم مؤخرون عن التوبة إلى قضاء الله تعالى وحكمه فيهم بما شاء إما التوبة وإما التعذيب. وقرأ الحسن وطلحة وأبو جعفر وابن نصاح والأعرج ونافع وحمزة والكسائي وحفص: {مُرْجَوْنَ} و {ترجي} في سورة الأحزاب بغير همزة. وقرأ باقي السبعة: {مرجؤن وتجرئ} بالهمز وهما لغتان.
كان المتخلفون عن الجهاد في غزوة تبوك، أقسامًا ثلاثة:
الأول: المنافقون الذين مردوا على النفاق وهم أكثر المتخلفين.
والثاني: المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم، وتابوا، وزكوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول، واستغفاره، فتاب الله عليهم، كأبي لبابة وأصحابه.
والثالث: المؤمنون الذين حاروا في أمرهم، ولم يعتذروا للرسول، - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم، لا عذر لهم، وأرجؤوا توبتهم واعتذارهم إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ، صريحًا وإنما وجد منهم الندم والحزن، فإرجاء الله تعالى الحكم القاطع في أمرهم، لأسباب ستذكر، والفرق بين القسم الثاني، والقسم الثالث: أن القسم الثاني، سارعوا إلى التوبة فقبل الله توبتهم، والقسم الثالث توقفوا، ولم يسارعوا إلى التوبة، فأخر الله أمرهم.