والمؤتفكات عطف على {أصحاب مدين} ، أي نَبَأ المؤتفكات، وهو جمع مؤتفكة: اسم فاعلٍ من الائْتِفَاك وهو الانقلابُ.
أي القرى التي انقلبت والمراد بها: قرى صغيرة كانت مساكنَ قوم لوط وهي: سدوم، وعمورة، وأدَمَة، وصِبْوِيم وكانت قرى متجاورة فخسف بها وصار عاليها سافلها.
وكانت في جهات الأردن حول البحر الميت، ونبأ هؤلاء مشهور معلوم، وهو خبر هلاكهم واستئصالهم بحوادث مهولة.
وجملة: {أتتهم رسلهم} تعليل أو استئناف بياني نشأ عن قوله: {نبأ الذين من قبلهم} أي أتتهم رسلهم بدلائل الصدق والحقّ.
وجملة {فما كان الله ليظلمهم} تفريع على جملة {أتتهم رسلهم} ، والمفرّع هو مجموع الجملة إلى قوله: {يظلمون} لأنّ الذي تفرّع على إتيان الرسل: أنّهم ظلموا أنفسهم بالعناد، والمكابرة، والتكذيب للرسل، وصمّ الآذان عن الحقّ، فأخذهم الله بذلك، ولكن نُظِم الكلام على هذا الأسلوب البديع إذا ابتدئ فيه بنفي أن يكون الله ظلمهم اهتماماً بذلك لفرط التسجيل عليهم بسوء صنعهم حتّى جُعل ذلك كأنّه هو المفرّع وجعل المفرّع بحسب المعنى في صورة الاستدراك.
ونُفِي الظلم عن الله تعالى بأبلغ وجه، وهو النفي المقترن بلام الجحود، بعد فعل الكون المنفي، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} من سورة العقود (6) .
وأثبت ظُلمُهم أنفُسَهم لهم بأبلغ وجه إذْ أسند إليهم بصيغة الكون الماضي، الدالّ على تمكّن الظلم منهم منذ زمان مضى، وصيغ الظلم الكائن في ذلك الزمان بصيغة المضارع للدلالة على التجدّد والتكرّر، أي على تكرير ظلمهم أنفسهم في الأزمنة الماضية. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 10 صـ}