قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم} الظرف متعلق بمحذوف ، أي واذكر يا محمد وقت تزيين الشيطان لهم أعمالهم ، والتزيين: التحسين ، وقد روي أن الشيطان تمثل لهم وقال لهم تلك المقالة ، وهي: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} أي: مجير لكم من كل عدوّ أو من بني كنانة ، ومعنى الجار هنا: الدافع عن صاحبه أنواع الضرر ، كما يدفع الجار عن الجار ، وكان في صورة سراقة بن مالك بن جشعم ، وهو من بني بكر بن كنانة ، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم.
وقيل المعنى: إنه ألقى في روعهم هذه المقالة ، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون {فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان} أي: فئة المسلمين والمشركين {نَكَصَ على عَقِبَيْهِ} أي: رجع القهقري ، ومنه قول الشاعر:
ليس النكوص على الأعقاب مكرمة... إن المكارم إقدام على الأمل
وقول الآخر:
وما نفع المستأخرين نكوصهم... ولا ضرّ أهل السابقات التقدّم
وقيل معنى نكص هاهنا: بطل كيده وذهب ما خيله {وَقَالَ إِنّي بَرِئ مّنْكُمْ} أي: تبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله لهم بالملائكة ، ثم علل ذلك بقوله: {إِنّى أرى مَالاً تَرَوْنَ} يعني: الملائكة ، ثم علل بعلة أخرى فقال: {إِنّى أَخَافُ الله} قيل: خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة ؛ وقيل إن دعوى الخوف كذب منه ، ولكنه رأى أنه لا قوّة له ولا للمشركين فاعتلّ بذلك ، وجملة {والله شَدِيدُ العقاب} يحتمل أن تكون من تمام كلام إبليس ، ويحتمل أن تكون كلاماً مستأنفاً من جهة الله سبحانه.
قوله: {إِذْ يَقُولُ المنافقون} الظرف معمول لفعل محذوف هو اذكر ، ويجوز أن يتعلق بنكص أو بزين أو بشديد العقاب.