وأَى سبب لهم يقتضي أَن لا يعذبهم الله، وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام، ويمنعونهم منه حقيقة كما كان ذلك عام الحديبية، أَو حكمًا كما فعلوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابه، حتى أَلجئوهم إِلى الهجرة، وحرموهم بذلك من المسجد الحرام، ولكن الله تعالى إِنما حماهم من عذاب الاستئصال لوجود الرسول فيهم، واستغفار المؤمنين منهم، ولولا ذلك لاستحقوا العذاب لصدهم عن بيت الله وعن دينه.
{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : وما كان أولئك المشركون الصادون عن المسجد الحرام مستحقين ولاية أَمره حتى يصدوا المؤمنين عنه بحكم ولا يتهم له، وما المستحقون لولايته إلا المتقون الذين آمنوا بالله ورسوله، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، فلذا كان منهم ما كان من صدهم المؤمنين عنه.
ونسبة عدم العلم إِلى أَكثرهم، يؤذن بأَن بعضهم يعلمون ذلك، ولكن يجحده عنادا، أَو المراد بالأَكثر الجميع، كما يراد بالقلة العدم، يقال: هذه أَرض قلَّما تنبت، أَي لا تنبت أصلًا.
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) } .
المفردات:
{صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ} : المراد بالبيت الكعبة، وبصلاتهم عنده الصلاةُ في المسجد الحرام حوله. {مُكَاءً} : صفيرا، من مكا يمكو إذا صفر. {تَصْدِيَةً} : تَصفيقًا، من الصَّدى، وهو رجع الصوت، أَو منِ الصَّدِّ وهو المنع معَ قَلْب إِحدى الدالين ياء. {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ} : ليمنعوا الناس عن دينه، فهو سبيل موصل إلى رضوانه. {حَسْرَةً} : نَدَمًا وَغمًّا. {يُحْشَرُونَ} : يساقون.
التفسير
35 - {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} :