يَقُولُ: فَيُجْعَلُ الْخَبِيثَ جَمِيعًا فِي جَهَنَّمَ، فَوَحَّدَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ لِتَوْحِيدِ قَوْلِهِ: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ} ثُمَّ قَالَ: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} فَجَمَعَ وَلَمْ يَقُلْ: ذَلِكَ هُوَ الْخَاسِرُ، فَرَدَّهُ إِلَى أَوَّلِ الْخَبَرِ.
وَيَعْنِي بِـ «أُولَئِكَ» الَّذِينَ كَفَرُوا، وَتَأْوِيلُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ الْخَاسِرُونَ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {الْخَاسِرُونَ} الَّذِينَ غُبِنَتْ صَفْقَتُهُمْ وَخَسِرَتْ تِجَارَتُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَرَوْا بِأَمْوَالِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَعَجَّلُوا بِإِنْفَاقِهِمْ إِيَّاهَا فِيمَا أَنْفَقُوا مِنْ قِتَالِ نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْخِزْيَ وَالذُّلَّ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ: إِنْ يَنْتَهُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقِتَالِكَ وَقِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ فَيُنِيبُوا إِلَى الْإِيمَانِ، يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُمْ مَا قَدْ خَلَا وَمَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ إِيمَانِهِمْ وَإِنَابَتِهِمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بِإِيمَانِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ.
{وَإِنْ يَعُودُوا}
يَقُولُ: وَإِنْ يَعُدْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لِقِتَالِكَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَوْقَعْتَهَا بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتِي فِي الْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ وَمَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقُرُونَ الْخَالِيَةِ إِذْ طَغَوْا وَكَذَّبُوا رُسُلِي وَلَمْ يَقْبَلُوا نُصْحَهُمْ مِنْ إِحْلَالِ عَاجِلِ النِّقَمِ بِهِمْ، فَأَحَلَّ بِهَؤُلَاءِ إِنْ عَادُوا لِحَرْبِكَ وَقِتَالِكَ مِثْلُ الَّذِينَ أَحْلَلْتُ بِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) }