قال محمد بن إسحاق- فيما يرويه عن الزّهري وجماعة-: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجعوا إلى مكّة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميّة، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلّموا أبا سفيان، ومن كان له في ذلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمدا قد وتركم- نقصكم- وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال- أي مال العير الذي نجا- على حربه، فلعلنا أن ندرك منه ثأرا، ففعلوا. ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ إلى قوله يُحْشَرُونَ أي أنها نزلت في نفقاتهم لمعركة أحد.
روى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في أبي سفيان، وما كان من إنفاقه على المشركين في بدر، ومن إعانته على ذلك في أحد، لقتال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن عتيبة قال: نزلت في أبي سفيان، أنفق
على المشركين أربعين أوقية من ذهب. والأوقية: أربعون مثقالا من الذّهب، والمثقال (25، 4 غم) .
وأخرج ابن جرير عن ابن أبزى وسعيد بن جبير قالا: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش، ليقاتل بهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، سوى من استجاب له من العرب.
وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى حالة المشركين في الطاعات البدنية وهي الصّلاة بقوله: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ... بيّن حالهم في الطاعات المالية، سواء في الإنفاق يوم بدر أو أحد.
التّفسير والبيان:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله يقصدون من الإنفاق صدّ الناس عن اتّباع محمد، وهو سبيل الله تعالى.
وحين ينفقون تكون عاقبة هذا الإنفاق لحرب النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم والصّدّ عنه في النهاية ندما وحسرة، فكأن ذاتها تصير ندما، وتنقلب حسرة، أي أنها لا تحقّق المقصود، وإنما تؤدي إلى عكسه وهو الوقوع في الحسرة والنّدامة: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [الكهف 18/ 42] ، لأنها مال ضائع في سبيل