يَقُولُ: وَاللَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكُمْ، لَهُ الْفَضْلُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ وَعَلَى غَيْرِكُمْ مِنْ خَلْقِهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ وَفِعْلِ أَمْثَالِهِ، وَإِنَّ فَعَلَهُ جَزَاءٌ مِنْهُ لِعَبْدِهِ عَلَى طَاعَتِهِ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَفِّقُ عَبْدَهُ لِطَاعَتِهِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا حَتَّى اسْتَحَقَّ مِنْ رَبِهِ الْجَزَاءَ الَّذِي وَعَدَهُ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعِبَارَةِ عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَخْرَجًا،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَجَاةً،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَصْلًا. وَكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ عنهَا،
وَقَدْ بَيَّنْتُ صِحَّةَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {فُرْقَانًا} قَالَ: مَخْرَجًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
عَنْ عِكْرِمَةَ:" {فُرْقَانًا} قَالَ: نَجَاةً"
وَالْفُرْقَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَصْدَرٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَّقْتُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَالشَّيْءِ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَفُرْقَانًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُذَكِّرُهَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ؛ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ كَيْ يُثْبِتُوكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لِيُثْبِتُوكَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَيُقَيِّدُوكَ
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ:" {لِيُثْبِتُوكَ} يَقُولُ: لِيَشُدُّوكَ وَثَاقًا، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ الْحَبْسُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: لِيَسْحَرُوكَ