اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فِيمَنْ عنيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَفِي مَعْنَاهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عنيَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ رَزَقَهُمُ اللَّهُ الْفَهْمَ لِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ:" {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} لَقَالُوا {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا} وَلَقَالُوا: {لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} وَلَوْ جَاءَهُمْ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ {لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} "
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:"لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ مَا نَفَعَهُمْ بَعْدَ أَنْ نَفَذَ عَلِمُهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ."
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عنيَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ
قَالُوا: وَمَعْنَاهُ:" {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} لَأَنْفَذَ لَهُمْ قَوْلَهُمُ الَّذِي قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنِ الْقُلُوبُ خَالَفَتْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَوْ خَرَجُوا مَعَكُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَوْفَوْا لَكُمْ بِشَرِّ مِمَّا خَرَجُوا عَلَيْهِ"
وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي مَا قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْعِلَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَنْ: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِي هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ وَعِبَرَهُ؛ حَتَّى يَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ حُجَجَهُ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِمْ وَأَنَّهُمْ مِمَّنْ كُتِبَ لَهُمُ الشَّقَاءُ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ أَفْهَمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمُوا وَيَفْهَمُوا لَتَوَلَّوْا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمَا دَلَّهُمْ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَوَاعِظُ اللَّهِ وَعِبَرُهُ وَحُجَجُهُ مُعَانِدُونَ لِلْحَقِّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) }