وَلِلَّذِي قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَجْهٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} فِي سِيَاقِ قَصَصِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَتْلُوهُ الْخَبَرُ عَنْهُمْ بِذَمِّهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} فَلَأَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَهُمَا خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ شَرَّ مَا دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ يَصْغُونَ عَنِ الْحَقِّ لِئَلَّا يَسْتَمِعُوهُ فَيَعْتَبِرُوا بِهِ وَيَتَّعِظُوا بِهِ وَيَنْكُصُونَ عَنْهُ إِنْ نَطَقُوا بِهِ، الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَيَسْتَعْمِلُوا بِهِمَا أَبْدَانَهُمْ.
عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:"وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّا صُمٌّ بُكْمٌ عَمَّا يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، لَا نَسْمَعُهُ مِنْهُ، وَلَا نُجِيبُهُ بِهِ بِتَصْدِيقٍ. فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ، وَكَانُوا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} وَلَيْسَ بِالْأَصَمِّ فِي الدُّنْيَا وَلَا بِالْأَبْكَمِ، وَلَكِنْ صُمُّ الْقُلُوبِ وَبُكْمُهَا وَعُمْيُهَا."
وَقَرَأَ: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ""
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ عنيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عنيَ بِهَا نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عنيَ بِهَا الْمُنَافِقُونَ
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّهُ عنيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) }