وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا فَهِمْنَاهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، مَقَامِ حِرْمَانِ الرَّاسِخِينَ فِي الْكُفْرِ مِنْ سَمَاعِ الْفِقْهِ وَالْهُدَى ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أَنْ يَعْصِيَ الْهَوَى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (45: 23) فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ لَيْسَ مَجْبُورًا عَلَيْهِ ، وَأَنَّ اللهَ لَمْ يَحْرِمْهُ الْهُدَى بِإِعْجَازِهِ عَنْهُ ، وَهُوَ يُؤْثِرُهُ وَيُفَضِّلُهُ ، أَوْ بِإِكْرَاهِهِ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ ، فَإِنَّهُ أَسْنَدَ إِلَيْهِ اتِّخَاذَهُ هَوَاهُ إِلَهَهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ (38: 26) الْآيَةَ .
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى سَبَبٌ لِلضَّلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ، فَقَوْلُهُ فِي آيَةِ الْجَاثِيَةِ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِ الضَّلَالَ اسْتِقْلَالًا - كَمَا يَدَّعِي بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ - بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي سُنَّتِهِ تَعَالَى فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ وَيُؤَيِّدُهُ
إِثْبَاتُ كَوْنِ ضَلَالِهِ عَلَى عِلْمٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى ، مُؤْثِرٌ لَهُ عَلَى الْهُدَى ، وَاللهُ تَعَالَى يُسْنِدُ الْأُمُورَ إِلَى