إحداهما أن يشتمل قلبه على سائر العلوم الضرورية الأولية كالعلم باستحالة المستحيلات وجواز الجائزات الظاهرة فتكون العلوم النظرية فيها غير حاصلة إلا أنها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم كحال الكاتب الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها بعد
الثانية أن تتحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة عنده فإذا شاء رجع إليها وحاله حال الحاذق بالكتابة إذ يقال له كاتب وإن لم يكن مباشرا للكتابة بقدرته عليها
وهذه هي غاية درجة الإنسانية
ولكن في هذه الدرجة مراتب لا تحصى بتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها إذ تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة ولبعضهم بتعلم واكتساب وقد يكون سريع الحصول وقد يكون بطئ الحصول
وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء فدرجات الترقي فيه غير محصورة إذ معلومات الله سبحانه لا نهاية لها
وأقصى الرتب رتبة النبي الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف بكشف إلهي في أسرع وقت وبهذه السعادة يقرب العبد العبد من الله تعالى قربا بالمعنى والحقيقة والصفة لا بالمكان والمسافة ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنزل
فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدق به إيمانا بالغيب كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من