أما فيما عداهما، فمن فرّ أو انهزم وجبن عن القتال، فقد رجع متلبسا بغضب من الله، ومأواه الذي يلجأ إليه في الآخرة جهنم، وبئس المصير هي، وبئس المصير مصيره. قال البيضاوي: هذا إذا لم يزد العدو على الضعف، لقوله تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال 8/ 66] وقال ابن عباس: من فرّ من ثلاثة لم يفر، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ.
والآية تدل على تحريم الفرار من الزحف، وأنه من كبائر المعاصي، بدليل
ما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «اجتنبوا السبع الموبقات- المهلكات- قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
ثم علل الله تعالى ضرورة الثبات والصبر أمام العدو بنصره على الأعداء، فقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أي إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم بقوتكم وعدتكم،
وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بأيديكم لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم وأذهب عنها الفزع والجزع، كما قال تعالى:
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَيُخْزِهِمْ، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة 9/ 14] .
وذلك أن المسلمين لما كسروا أهل مكة، وقتلوا، وأسروا، أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت، وأسرت. ولما طلعت قريش،
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبريل عليه السّلام فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان لعلي رضي الله عنه: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم.