إِنْ تَسْتَفْتِحُوا: روى الحاكم عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير قال: كان المستفتح أبو جهل، فإنه قال حين التقى القوم: أيّنا كان أقطع للرحم، وأتى بما لا يعرف، فأحنه (أهلكه) الغداة، وكان ذلك استفتاحا، فأنزل الله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ إلى قوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: قال أبو جهل: اللهم انصر أعز الفئتين، وأكرم الفرقتين، فنزلت.
وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا الآية.
المناسبة:
الآيات مرتبطة بما قبلها في تعليم المؤمنين قواعد القتال، بمناسبة قصة بدر، ففي الآية السابقة أمرهم بضرب الهامات والرؤوس، وتقطيع الأيدي والأرجل، وهنا ذكر الله حكما عاما أيضا في الحروب، وهو تحريم الفرار من الزحف في مواجهة الأعداء إلا لمصلحة حربية، مثل التحرف لقتال (إظهار الانهزام والفرار خدعة ثم الكرّ) والتحيز إلى فئة (الانضمام إليها لمقاتلة العدو معها) .
التفسير والبيان:
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إذا اقتربتم من عدوكم ودنوتم منهم حال كونهم جيشا زاحفين نحوكم لقتالكم، فلا تفرّوا منهم، مهما كثر عددهم، وأنتم قلة، ولكن اثبتوا لهم وقاتلوهم، فالله معكم عليهم.
وهذا الانهزام أمامهم محرم إلا في حالتين:
إحداهما- أن يكون المقاتل متحرفا لقتال، أي مظهرا أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، ويكر عليه ليقتله. وهو أحد مكايد الحرب وخدعها.
والثانية- أن يكون متحيزا إلى فئة أي منضما إلى جماعة أخرى من المسلمين لمقاتلة العدو معها، يعاونهم ويعاونونه. فيجوز له ذلك في هاتين الحالتين.