قال الله تعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] وأما أرباب التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَسْرِ التصريف، وقهر الحكمْ. وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم ما يُجْرِي و (ما) لهم إحساس بذلك، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير، ويتولَّى حفظهم عن مخالفة الشرع.
قوله جلّ ذكره: {وَلِيُبْلِىَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا} .
البلاء الاختبار، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم.
"البلاء الحسن": توفيق الشكر في المِنْحة، وتحقيق الصبر في المحبة، وكل ما يفعله الحقُّ فهو حَسَنٌ من الحقِّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه. وهذه حقيقة الحَسَن: وهو ما للفاعل أن يفعله.
ويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و) ... ) البلاء لأنه فيه.
ويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء.
ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة، ولا شكوى إن كان محنة.
ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً، ولا بطر إن كان يسراً.
ويقال بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسبِ حاله ومقامه؛ فأصفاهم ولاءً، قال عليه السلام:"أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل".
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
تنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقوم؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله"سميعٌ"لأنينكم؛ فَيُرَوِّح عليهم بهذا، وَقْتَهم، ويحمل عنهم ولاءهم، وأنشدوا:
إذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً ... تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا
وقالوا:
قُلْ لي بألسنةَ التَّنفُّس ... كيف أنت وكيف حالك؟