واعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريفُ هذا الفعل أغفله الراغب في"المفردات"ومن رأيتُ من المفسرين، وهو مضارع أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختيار ثم أطلق على إصابة أحد أحداً بشيء يظهر به مقدار تأثره، والغالب أن الإصابة بشرّ، ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال تعالى: {ونبلُوكم بالشر والخير فتنةً} [الأنبياء: 35] وهو إطلاق كنائي وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح، وبقي الفعل المجرد صالحاً للإصابة بالشر والخير، واستعملوا أبلاه مهموز أي أصابةُ بخير قال ابن قتيبة:"يقال من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاءً".
قلت: جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال تعالى: {بلاء حسناً} وهو مفعول مطلق لفعل يُبليَ موكد له، لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن وضمير {منه} عائد إلى اسم الجلالة و (من) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون (من) للتعليل والسببية.
وقوله: {إن الله سميع عليم} تذييل للكلام و (إن) هذا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 9 صـ}