وَقَدْ سَبَقَ لَنَا بَيَانُ حَقِيقَةِ السِّحْرِ فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ جُزْءِ التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ، وَفِي بَعْضِ مُجَلَّدَاتِ الْمَنَارِ ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) : مَا يَعْمَلُ بِالْأَسْبَابِ الطَّبِيعَةِ مِنْ خَوَاصِّ الْمَادَّةِ الْمَعْرُوفَةِ لِلْعَامِلِ الْمَجْهُولَةِ عِنْدَ مَنْ يَسْحَرُهُمْ بِهَا ، وَمِنْهَا الزِّئْبَقُ الَّذِي قِيلَ: إِنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ وَضَعُوهُ فِي حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ كَمَا سَيَأْتِي ،
وَلَوْ شَاءَ عُلَمَاءُ الطَّبِيعَةِ وَالْكِيمْيَاءِ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَنْ يُجْلُوا أَنْفُسَهُمْ سَحَرَةً فِي بِلَادِ أَوَاسِطِ إِفْرِيقِيَّةَ الْهَمَجِيَّةِ وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْبِلَادِ الْجَاهِلَةِ الَّتِي يَرُوجُ فِيهَا السِّحْرُ الْعَتِيقُ لَأَرَوْهُمْ مِنْ عَجَائِبِ الْكَهْرَبَاءِ ، وَغَيْرِهَا مَا يُخْضِعُونَهُمْ بِهِ لِعِبَادَتِهِمْ لَوِ ادَّعَوُا الْأُلُوهِيَّةَ فِيهِمْ ، دَعْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ أَوِ الْوِلَايَةِ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ السَّحَرَةُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْبِلَادِ عَلَى بَعْضِ السُّيَّاحِ الْغَرْبِيِّينَ لِيُرْهِبُوهُمْ بِسِحْرِهِمْ ، وَكَانُوا فِي مَكَانٍ بَارِدٍ ، وَالْفَصْلُ شِتَاءٌ فَأَخَذَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ السُّيَّاحِ قِطْعَةً مِنَ الْجَلِيدِ وَجَعْلِهَا بِشَكْلٍ عَدَسِيٍّ بِقَدْرِ مَا يُرَى مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّنِي أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِالسِّحْرِ ، وَإِنَّنِي أَقْدِرُ بِهِ أَنْ أَجْعَلَ فِي يَدِي شَمْسًا كَشَمْسِ السَّمَاءِ ثُمَّ وَجَّهَ عَدَسَتَيْهِ إِلَى الشَّمْسِ