قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم.
وقال الحسن: الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفي هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه.
ثم قال تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونهُمْ بِسِيمَاهُمْ} يعني من الكفار الذين في النار، فقالوا لهم: {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف:48] يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على أهل الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم.
ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: {أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: {ادْخُلُوا الْجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] .
وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جموعهم واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: {أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] ، والقولان قويان محتملان، والله أعلم.
فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...