فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: {رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين} [الأعراف: 47] ، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نوراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نوراً، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: {رَبَّنَا أَتمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: 8] ، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى في قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] ، فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولاً. يريد آخر أهل الجنة دخولاً ممن لم يدخل النار.
وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما.
وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعاً. وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم.
والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة.
وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين:
الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني هو الصواب، ولا نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف: 46] صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: {يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 46] ، يعني يعرفون الفريقين بسيماهم، {وَنَادوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: 46] ، أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطمَعُونَ} الضميرات في الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها.