وقيل: نزع الغلّ في الجنة ، أن لا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل المنازل {وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا} أي لهذا الجزاء العظيم ، وهو الخلود في الجنة ، ونزع الغلّ من صدورهم ، والهداية هذه {لهذا} هي الهداية لسببه من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ} قرأ ابن عامر بإسقاط الواو ، وقرأ الباقون بإثباتها ، وما كنا نطيق أن نهتدي بهذا الأمر لولا هداية الله لنا ، والجملة مستأنفة أو حالية ، وجواب {لولا} محذوف يدل عليه ما قبله ، أي لولا هداية الله لنا ما كنا لنهتدي.
قوله: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق} اللام لام القسم ، قالوا هذا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الجزاء العظيم ، اغتباطاً بما صاروا فيه بسبب ما تقدّم منهم من تصديق الرسل وظهور صدق ما أخبروهم به في الدنيا من أن جزاء الإيمان والعمل الصالح هو هذا الذي صاروا فيه.
قوله: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فقيل لهم تلكم الجنة أورثتموها ، أي ورثتم منازلها بعملكم.
قال في الكشاف: بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة انتهى.
أقول: يا مسكين هذا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه"سدّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر.
ولولا التفضل من الله سبحانه وتعالى على العامل باقداره على العمل ، لم يكن عمل أصلاً ، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار ، لكان القائلون به محقة لا مبطلة ، وفي التنزيل: {ذلك الفضل مِنَ الله} [النساء: 70] وفيه: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ} [النساء: 175] .