ثم بين الله سبحانه وتعالى بعدئذ أن من أثر عداوة هؤلاء الشياطين للأنبياء مقاومتهم للهداية والدعوة التي كلفوا بها، فقال: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} ؛ أي: حالة كون تلك الشياطين يوحي بعضهم؛ أي: يلقي بعضهم ويسر ويناجي إلى بعض آخر، ويعلمه؛ أي: يلقي شياطين الجن إلى شياطين الإنس زخرف القول؛ أي: مزخرفه ومزينه ومحسنه ظاهرا مع بطلان باطنه غرورا؛ أي: ليغروا ويفتنوا بذلك المزخرف المؤمنين والصالحين عن دينهم وعبادتهم وطاعتهم أمر ربهم، يعني: أن الشياطين يغرون بذلك الكذب المزخرف غرورا، وذلك أنّ الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، ويغرونهم بها غرورا. قال مقاتل: وكّلّ إبليس بالإنس شياطين يضلونهم، فإذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن .. قال أحدهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال غيره: إن المؤمن إذا أعيا شيطانه ذهب إلى متمرد من الإنس، هو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه.
وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن؛ لأني إذا تعوذت من ذاك ذهب عني، وهذا يجرني إلى المعاصي عيانا، ذكره ابن الجوزي. وقال ابن عباس: الجن هم أولاد الجان، وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس، وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإنس انتهى من «الشوكاني» . {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ} يا محمد إيمانهم، أو عدم تزيين الشياطين زخرف القول {ما فَعَلُوهُ} ؛ أي: ما فعل الكفار معاداتك ومعاداة الأنبياء قبلك، أو ما فعل الشياطين إيحاء زخرف القول غرورا. وقال أبو حيان؛ أي: ما فعلوا العداوة أو الوحي أو الزخرف، أو القول أو الغرور أوجه ذكروها انتهى.