{فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ} عليك وعلى الله، فإن الله تعالى يجزيهم وينصرك ويخزيهم و {ما} : إما مصدرية، والتقدير: اتركهم وافتراءهم عليك وعلى الله وإما موصولة؛ أي: اتركهم والذي يفترونه، يعني: فخلهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي، فإني من ورائهم. وعبارة المراح: أي اترك يا محمد هؤلاء الكفرة المستهزئين وافتراءهم بأنواع المكايد، فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة. قال ابن الجوزي؛ أي: فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف، انتهى. وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) } .
وعبارة «المراغي» هنا: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} ؛ أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المموه الذي به يظنون أنهم يسترون قبيح باطلهم، ويؤدونه بطرق خفية لا يفطن إلى باطلها كل أحد حتى يغروا غيرهم ويخدعوه، ويميلوه إلى ما يريدون. وأول مثل لهذا الغرور ما وسوس به الشيطان للإنسان الأول وزوجه الكريم - آدم وحواء - فزين لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها كما قال: {وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ} وهكذا يوسوس شياطين الإنس والجن لمن يجترحون السيئات ويرتكبون المعاصي، فيزينون لهم ما فيها من عظيم اللذة والتمتع بالحرية، ويمنونهم بعفو الله ورحمته، وشفاعة أنبيائه وأوليائه حتى ليترنم أحدهم بقوله:
تكثّر ما استطعت من الخطايا ... فإنك واجد ربا غفورا
{وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ} ؛ أي: ولو شاء ربك أن لا يفعلوا هذا الغرور .. ما فعلوا، ولكنه لم يشأ أن يغير خلقهم أو يجبرهم على خلاف ما تزينه لهم أهواؤهم، بل شاء أن يكون الإنس والجن على استعداد لقبول الحق والباطل والخير والشر، وأن يكونوا مختارين سلوك أي الطريقين كما قال: {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10) } .