وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى أنه خالق كل شيء بين أنه خلقه، وِهو يحافظ عليه؛ ولذا قال جلت قدرته، وعظمت حكمته: (وَهُوَ عَلَى كلِّ شيءٍ وَكيلٌ) "وكيل"هنا من وكل إليه الأمر ليحفظه ويصونه فمعنى وكيل هنا قائم على الأشياء كلها ليحفظها ويصونها، ويدبر أمرها إلى أن يقضي فيها قضاءه وكان أمرا مفعولا، فهو الإله القائم على كل شيء سبحانه، وإن الله سبحانه وتعالى منشئ الوجود نحس بآثاره، وننعم بنعمه ولا نراه، فهو خفي الألطاف ظاهر بنعمه وآثاره؛ ولذا قال تعالى:
(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ...(103)
"الأبصار"جمع بصر، والبصائر جمع بصيرة، والبصر يعلم بالرؤية البصرية. والبصيرة تعلم بالرؤية القلبية، والإدراك العقلي، والخشوع، والاتجاه الروحي، والتعلق بالذات العلية، ولذا قال تعالى: (. . . فَإِنَّهَا لَا تَعمى الأَبصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .
والإدراك هو: الرؤية المحيطة بالشيء من كل جوانبه، فالرؤية البصرية لا ترى إلا الجانب الذي يكون مقابل العيون، أما الإدراك فهو الإحاطة بكل الجوانب، من كل ناحية، ومعنى قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لَا تحط الأبصار بكل جوانب عظمته وجلاله، وعندئذ ننتقل من الرؤية البصرية إلى ما تنتجه الرؤية من تأمل وتفكير، ذلك أن الرؤية البصرية رؤية للمحسوس، ثم بعد رؤية المحسوس يكون التفكير فيما توجهه هذه الرؤية، فإذا رأيت منظرا جميلا، فالرؤية تريك هذا المنظر، فتستريح نفسك، وتستروح معاني من الإحساس بالجمال، فإذا علا إدراكك. فإنك تفكر في بديع الصنع، وحسن هندسة التناسق، ثم أطياف الألوان، ثم مهارة الصانع، فهذا هو الإدراك بالإبصار، فالإدراك بالإبصار هو المعاني التي تومئ بها الرؤية، ويوجه إليها النظر المستقيم.
وقوله تعالى: (لا تُدْرِكهُ الأَبْصَارُ) هو كناية عن التفكير والعلم الذي ينتج عن البصر، وقد نفَى الله تعالى الإدراك، وهو يتضمن نفي الرؤية البصرية ابتداء، لأن الرؤية البصرية في الدنيا إنما تكون في مكان متميز متحيز، والله سبحانه وتعالى ليس له مكان، ولا يحده شيء في الوجود، وسع كرسيه السماوات والأرض وهو السميع العليم.