وقوله تعالى: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو (إنها) بكسر الهمزة على الاستئناف، وهي القراءة الجيدة. قال سيبويه: (سألت الخليل عن هذه القراءة، فقلت: ما منع أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} ثم ابتدأ فأوجب فقال:(إنها إذا جاءت لا يؤمنون) ولو قال: (وما يشعركم أنها) بالفتح كان ذلك عذرًا لهم، انتهى كلامه.
ومعنى قوله: (كان ذلك عذرًا لهم) أنك لو فتحت أن وجعلتها التي في نحو: بلغني أن زيدًا منطلق، لكان عذرًا لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: إن زيداً لا يؤمن، فقلت: وما يدريك أنه لا يؤمن، كانت المعنى: انه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذرًا لمن نفى الإيمان عنه، وليس المراد في الآية عذرهم وأنهم يؤمنون، ألا ترى أن الله سبحانه قد أعلمنا في الآية الثانية أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا} إلى قوله: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111] وقرأ الباقون (أنها) بالفتح.
قال الخليل: (هي بمنزلة قول العرب: أئت السوق أنك تشتري لنا شيئًا، أي: [لعلك] فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون) ، انتهى كلامه. وأن بمعنى لعل كثير في كلامهم كقوله:
أرِيني جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
وقال آخر:
هَل أَنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لأنا ... نَرَى العَرَصاتِ أَوْ أَثَرَ الخيامِ
وقال عدي بن زيد:
أَعاذِل ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي ... إلى ساعَةٍ في اليَومِ أو في ضُحى الغَدِ