وهذا الذي ذكرنا في معنى القسم مذهب الزجاج وأبي علي الفسوي وغيرهما ممن يوثق بعربيتهم، قال المفسرون: (8) (لما أُنزل قوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] أقسم المشركون بالله {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} وسأل المسلمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزلها الله عليهم حتى يؤمنوا، وعلم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون، فأنزل هذه الآية: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} ، قال الكلبي ومقاتل:(إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه) ، وقال الزجاج: (اجتهدوا في المبالغة في اليمين) ، وقال عطاء: (يريد. بأغلظ الأيمان) .
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} أي: إنه هو القادر على الإتيان بها، وقيل: (معناه: إنها عند الله يأتي بها متى شاء، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها) .
وقوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} قال أبو علي: (ما) استفهام وفاعل {يُشْعِرُكُمْ} ضمير ما، والمعنى: وما يدريكم إيمانهم، فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير، والتقدير: وما يدريكم إيمانهم، أي: هم لا يؤمنون مع مجيء الآية إياهم.
ونحو هذا ذكره ابن الأنباري فقال: (كأن الكلام انقطع عند {يُشْعِرُكُمْ} بتقدير مفعول معه يراد به، أي شيء يشعركم إيمانهم، ويوقع في أنفسكم صحة ما حلف عليه الكفار) ، وهذا معنى قول الزجاج: (أي لستم تعلمون الغيب، ولا تدرون أنهم يؤمنون) ، ألا ترى أنه ذكر مفعول الإشعار، وقال مجاهد: (وما يدريكم [أنكم] تؤمنون، ثم استقبل يخبر فقال: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} ) .