والتقدير: أن الكلام تم عند قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال: {أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال سيبويه: سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل ؟ فقال الخليل: إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا} بالفتح لصار ذلك عذراً لهم ، هذا كلام الخليل.
وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر ، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر ، فإذا قلت: وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى: أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضاً فكذا ههنا قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} معناه أنها إذا جاءت آمنوا.
وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً للكفار في طلب الآيات ، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات ، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء {أَنَّهَا} بالفتح وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الخليل: {أن} بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك ، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي: {أن} بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر:
أريني جواداً مات هولاً لأنني.. أرى ما تريني أو بخيلاً مخلداً
وقال آخر:
هل أنتم عاجلون بنا لأنا.. نرى العرصات أو أثر الخيام
وقال عدي بن حاتم:
أعاذل ما يدريك أن منيتي.. إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد
وقال الواحدي: وفسر علي لعل منيتي روى صاحب"الكشاف"أيضاً في هذا المعنى قول امرئ القيس:
عوجاً على الطلل المحيل لأننا.. نبكي الديار كما بكى ابن خذام
قال صاحب"الكشاف"ويقوي هذا الوجه قراءة أبي {لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون} .