وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً قال النسفي: من السحاب مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ. أي: بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ. أي: أنبت كل صنف من أصناف النبات، فالسبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف مختلفة فَأَخْرَجْنا مِنْهُ. أي: من النبات خَضِراً. أي: شيئا أخضر وهو ما تشعّب من أصل النّبات الخارج من الحبّة نُخْرِجُ مِنْهُ. أي: من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً وهو السنبل الذي تراكب حبّه وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ القنوان جمع قنو:
وهو العذق، والدانية القريبة من المجتني إما لثقل حملها، أو لقصر ساقها، وذكره ذكر لما يقابله، وهو غير الدانية، والمعنى: وقنوان دانية حاصلة من النّخل من طلعها
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ. أي: وأخرجنا كذلك بالمطر جنات من أعناب وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ. أي: وأخرجنا بالمطر الزيتون والرّمّان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ. أي: متشابها وغير متشابه يعني أنّ الزّيتون والرّمّان بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللّون والطّعم، انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ. أي: إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفا لا ينتفع به وَيَنْعِهِ. أي: ونضجه. ومعنى الأمر:
انظروا إليه ساعة خروجه، وإلى حال نضجه نظر اعتبار واستدلال على قدرة مدبّرة ومقدّرة وناقلة من حال إلى حال إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لآيات دالة على وجود القادر الحكيم ووحدانيته فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفترقة من أصل واحد، لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجّح ما تقتضيه حكمته، ولا يعوقه عن فعله ندّ يعارضه، أو ضد يعانده، وبهذا تنتهي مقدمة المقطع وتعليقا على هذه المقدمة يقول صاحب الظلال:
«وبعد، فنحن - في هذا الدرس - أمام كتاب الكون المفتوح، الذي يمر به الغافلون في كل لحظة، فلا يقفون أمام خوارقه وآياته، ويمر به المطموسون فلا تتفتح عيونهم على عجائبه وبدائعه .. وها هو ذا النّسق القرآني العجيب يرتاد بنا هذا الوجود، كأنما نهبط إليه اللحظة، فيقفنا أمام معالمه العجيبة، ويفتح أعيننا على مشاهده الباهرة، ويثير تطلعنا إلى بدائعه التي يمر عليها الغافلون غافلين!