وَقَالَ هُنَا مُوَضِّحًا قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ عِلْمُ الظُّهُورِ ، قَالُوا: إِنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ سَيَقَعُ ثَابِتٌ فِي الْأَزَلِ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَصَلَ تَغَيُّرٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْلُومِ فَصَارَ حَالًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا ، فَهَلْ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ الْوُقُوعِ هُوَ عَيْنُ تَعَلُّقِهِ بِهِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى قُبَيْلِ وُقُوعِهِ ؟ قَالَ الْحُكَمَاءُ: إِنَّ الْزَمَنَ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ فَلَيْسَ هُنَاكَ تَقَدُّمٌ وَلَا تَأَخُّرٌ وَلَا مُتَقَدِّمٌ وَلَا مُتَأَخِّرٌ ، فَتَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ وَاحِدٌ فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ مَعْنَى وَلِيَعْلَمَ اللهُ لِيُظْهِرَ عِلْمَهُ لِلنَّاسِ بِظُهُورِ الْمَعْلُومِ لَهُ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [8: 37] أَيْ يَعْلَمُ النَّاسُ ذَلِكَ وَيُمَيِّزُونَهُ .
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ أَزَلًا وَأَبَدًا ، وَلَكِنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا سَتَقَعُ غَيْرُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِهَا وَهِيَ وَاقِعَةٌ ، فَذَلِكَ عِلْمٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيهِ الْمَعْلُومُ فِي الْوُجُودِ ، وَهَذَا عِلْمٌ ظَهَرَ مُتَعَلِّقُهُ وَوُجِدَ . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:"وَلِيَعْلَمَ"الثَّانِي .