وجواب آخر من طريق اللفظ، وهو: أن يكون المراد: وإذ أخذ ميثاق أممِ النَّبِيِّين وأتباع النَّبِيِّين، شَرط عليهم أنبياؤُهم أن يؤمنوا بكل نَبِيٍّ يبعثه الله عز وجل ولا يكذبوه، ولا يدخلوا في جملة أعدائه، وأخذوا بذلك عهودهم، فقال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} ، وهو يريد: ميثاقَ تُبّاع النَّبيين، فحَذَف المضاف.
وقال صاحب النظم: معنى النَّبِيِّين ههنا: معنى أُمَمِهم، وصار ذكرهم كالقبيلة للأمم، كما يقال: قَيْس، وتَمِيم، وبَكْر، وهي أسماء رجال بأعيانهم، نُسِب أولادهم إليهم، فصاروا قبائل.
ومنه قول الشاعر:
أتَسأَلُني السويَّةَ وَسْطَ زَيْدٍ ... ألا إنَّ السَّوِيَّةَ أنْ تُضامُوا
فـ (زيد) ههنا قبيلة لأصحابه؛ لذلك قال: (وَسْطَ زيد) .
وقوله تعالى: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} .
إن قيل: ما معنى: أخْذَ ميثاق النبيين بِنُصْرَةِ مَن لم يَلْقَوْهُ، ولم يدركوا زمانَه؟.
قلنا: قد بَيَّنّا أن المراد بـ {النَّبِيِّينَ} : أتباعهم وأممهم. فعلى هذا؛ لا كلام.
وإن قلنا: المراد: هُم، ثم تتبعهم الأُممُ؛ فمعنى النصر ههنا: أن ينصروه بتصديقه عند قومهم.
قال المفسرون في هذه الآية: إن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء بتصديق بعضهم بعضًا. وهذا قول: سعيد بن جبير، وقتادة، وطاوس، والحسن، والسدّي.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله عز وجل؛ نَبِيًّا، آدَمَ ومَن بَعده، إلا أَخَذَ عليه العهد في محمد وأمره، وأخذ العهدَ على قومه لَيُؤمِنُنَّ به، ولَئِن بُعث وهم أحياء لَيُنْصُرُنَّهُ.
وقال ابن عباس: يريد بـ {مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} : عَهْدَهُم؛ ليشهدوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، بأنه رسول الله.
وقوله تعالى: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} . يريد: محمدًا - صلى الله عليه وسلم - .