كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السرف فِي إنفاق المال حتى أنها زوجت بعض لعبها فأنفقت على وليمة عرسها مائة ألف دينار فما مضى إلا قليل حتى رؤيت فِي سوق من أسواق بغداد وهي تسأل الناس
اجتاز بعض الصالحين بدار فيها فرح وقائلة تقول فِي غنائها:
(ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يزري بصاحبك الزمان)
ثم اجتاز بها عن قريب وإذا الباب مسود وفي الدار بكاء وصراخ فسأل عنهم ؟ فقيل: مات رب الدار فطرق الباب وقال: سمعت من هذه الدار قائلة تقول: كذا وكذا فبكت امرأة وقالت: يا عبد الله إن الله يغير ولا يتغير والموت غاية كل مخلوق فانصرف من عندهم باكيا
بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه فِي خلافته وفدا إلى اليمن فاجتازوا فِي طريقهم بماء من مياه العرب عنده قصور مشيدة وهناك مواش عظيمة ورقيق كثير ورأى نسوة كثيرة مجتمعات فِي عرس لهن وجارية بيدها دف تقول:
(معاشر الحساد موتوا كمدا ... كذا نكون ما بقينا أبدا)
فنزلوا بقربهم فأكرمهم سيد الماء واعتذر إليهم باشتغاله بالعرس فدعوا له وارتحلوا ثم إن بعض أولئك الوفد أرسلهم معاوية إلى اليمن فمروا بالقرب من ذلك الماء فعدلوا إليه لينزلوا فيه فإذا القصور المشيدة قد خربت كلها وليس هناك ماء ولا أنيس ولم يبق من تلك الآثار إلا تل خراب فذهبوا إليه فإذا عجوز عمياء تأوي إلى نقب فِي ذلك التل فسألوها عن أهل ذلك الماء فقالت: هلكوا كلهم فسألوها عن ذلك العرس المتقدم فقالت: كانت العروس أختي وأنا كنت صاحبة الدف فطلبوا أن يحملوها معهم فأبت وقالت: عزيز علي أن أفارق هذه العظام البالية حتى أصير إلى ما صارت إليه فبينما هي تحدثهم إذ مالت فنزعت نزعا يسيرا ثم ماتت فدفنوها وانطلقوا