أما أولا فلأن ظاهر الواو للعطف، فلا يجوز العدول عنه من غير دليل، وإذا وجب العطف فلا يجوز عطف الراسخين على قوله: (إِلَّا اللَّهُ)
لأن الراسخين جملة، واسم الله مفرد، فلا يجوز عطفه عليه، وأما ثانيا فلأن الراسخين لو كان معطوفا على اسم الله، لم يحسن الوقوف على اسم الله دونه، إذ لا يحسن الوقف على المعطوف عليه دون المعطوف، فلما حسن ذلك دل على امتناع عطفه عليه، وأما ثالثا فلأن وضع «أما» للتفصيل بين الأجناس المتعددة، ولم يسبق إلا أحد الجنسين، وهو قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) إلى آخر صفاتهم، فيجب أن يتلوه الجنس الآخر المقابل له، وهم الراسخون في العلم، فتحصل «أما» الأولى «وأما» الثانية على مقصود التقابل، كما قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) [سورة هود: 106] ثم عقبه بقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) [سورة هود: 108] فيكون تقدير الآية: فأما الزائغون فيتبعون وأما الراسخون فيقولون: آمنا به، لا يقال: لو كان الراسخون عطفا على قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ) لوجب إثبات الفاء في قوله: (يَقُولُونَ) كما جاءت في قوله: (فَيَتَّبِعُونَ)
ليتطابق الكلامان ويتسق نظامهما، لأنا نقول. هذا هو الوجه اللائق، لكنا نقول: إنما ترك المجيء بها لأن الفاء إنما يجب الإتيان بها: إذا كانت (أما) مذكورة في الكلام لأنها مشعرة بالشرط، فأما إذا كانت محذوفة فلا يلزم الإتيان بالفاء، فلما حذفت في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) استغناء عنها بالواو، لا جرم لم يأت بالفاء في قوله: (يَقُولُونَ) .
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ(14)