ويريد الله أن ينبهنا ويلفتنا إلى حقيقة هامة وهي أن الرسل فِي جدلهم مع أممهم أو مع المناقشين لهم لا يكون الهدف أن النبي يظفر بالغلبة وإنما يكون الهدف بالنسبة للرسول أو النبي أن يصل إلى الحقيقة ، ولذلك لم يتوقف إبراهيم عليه السلام مع الرجل الذي يحاجه فِي الله عند نقطة الإحياء والإماتة ؛ لأنه رأى فِي مناقشة الرجل لونا من السفسطة. وعلينا ونحن نتدبر آيات القرآن بالخواطر الإيمانية أن نفهم الفرق بين الإماتة والقتل. الصحيح أن الإماتة والقتل يشتركان فِي أمر واحد وهو خروج الروح من الجسد. والإماتة تختلف عن القتل بأنه لا يقدر عليها إلا واهب الحياة الذي وضع مقومات خاصة فِي البنية الإنسانية حتى تسكنها الروح ، وهو القادر على أن يسلب الروح بأمر غير محس.
أما القتل فهو أن تجرح إنساناً فيموت ، أو تنقض بنيته ، تكسر له رأسه مثلاً ، أما"الإماتة"فهي أن تنقبض حياته بمجرد الأمر دون أن تقربه ، هل أحد من البشر يقدر على هذه ؟ لا. إذن فالذي حاج إبراهيم لم يحي الذي قال: إنه سيتركه بدون عقوبة ، إنه لم يقتله ، لكنه أبقى الحياة التي كانت فيه ، هذا إذا أردنا أن ندخل فِي جدل. والله قد جعل القتل مقابلاً للموت ، صحيح أنهما ينتهيان بأن لا روح ، لكن هناك فرق بين أن تؤخذ الروح بدون هذه الوسائل. وأن تترك الروح البدن لأن بنيته قد تهدمت. وإياك أن تظن أن الروح لا تخضع لقوانين معينة ، إن الروح لا تحل إلا فِي مادة خاصة ، فإذا انتهت المقومات الخاصة فِي المادية فالروح لا تسكنها ، فلا تقل: إنه عندما ضربه على رأسه أماته! لا ، هو لم يخرج الروح لأن الروح بمجرد ما انتهت البنية تختفي.