وَجَعَلُوا مَزِيَّةَ الْعَقْلِ وَمَزِيَّةَ الْبَدَنِ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُمَا شَيْئَانِ ، وَأَجْمَلُوا الْقَوْلَ فِي الْمَشِيئَةِ حَتَّى إِنَّ الْمُتَوَهِّمَ لَيَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِعِنَايَةٍ غَيْبِيَّةٍ لَا بِسُنَّةٍ إِلَهِيَّةٍ ، وَجَعَلُوا كَوْنَهُ تَعَالَى وَاسِعًا عَلِيمًا وَجْهًا خَاصًّا . وَلَا أَحْفَظُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي الْأَوَّلِ شَيْئًا ، وَرَأْيُهُ فِي مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى هُنَا مَا تَقَدَّمَ آنِفًا ، وَقَدْ فَسَّرَ (الْوَاسِعَ) بِوَاسِعِ التَّصَرُّفِ وَالْقُدْرَةِ ، وَهُوَ يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِمْ وَاسْعُ الْفَضْلِ ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ (عَلِيمٌ) عَلِيمٌ بِوُجُوهِ الِاخْتِيَارِ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُلْكَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ مِنِ اسْتِحْقَاقِ طَالُوتَ الْمُلْكَ بِمَا اخْتَارَهُ اللهُ وَأَعَدَّهُ لَهُ بِاصْطِفَائِهِ ، وَإِيتَائِهِ مِنْ سَعَةِ الْعِلْمِ وَبَسْطَةِ الْجِسْمِ مَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَعْبَائِهِ ، حَتَّى جَعَلَ لِذَلِكَ آيَةً تَدُلُّهُمْ عَلَى الْعِنَايَةِ بِهِ ، وَهِيَ عَوْدُ التَّابُوتِ إِلَيْهِمْ ، وَهَذَا التَّابُوتُ الْمُعَرَّفُ: صُنْدُوقٌ لَهُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ ، فَفِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ مَا نَصُّهُ: