وَهَذِهِ الْآيَةُ مَخْرَجُهَا فِي الشَّفَاعَةِ عَامٌ وَالْمُرَادُ بِهَا خَاصٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ وِلَايَةِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ يَشْفَعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّةَ ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالْجَاحِدُونَ لِلَّهِ الْمُكَذِّبُونَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَقُولُ: هُمُ الْوَاضِعُونَ جُحُودَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالْفَاعِلُونَ غَيْرَ مَا لَهُمْ فِعْلُهُ وَالْقَائِلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ قَوْلُهُ،
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الظُّلْمِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} إِنَّمَا هُوَ مُرَادٌ بِهِ أَهْلُ الْكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ أَتْبَعَ قَوْلَهُ ذَلِكَ: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: حَرَمْنَا الْكُفَّارَ النُّصْرَةَ مِنَ الْأَخِلَّاءِ، وَالشَّفَاعَةَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَقْرِبَاءِ، وَلَمْ نَكُنْ لَهُمْ فِي فِعْلِنَا ذَلِكَ بِهِمْ ظَالِمِينَ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ جَزَاءً مِنَّا لِمَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، بَلِ الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا أَتَوْا مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبُوا لَهَا الْعُقُوبَةَ مِنْ رَبِّهِمْ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ صُرِفَ الْوَعِيدُ إِلَى الْكُفَّارِ وَالْآيَةُ مُبْتَدَأَةٌ بِذِكْرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ؟