اللعن الإبعاد على وجه الطرد ، وصار فِي التعارف دعاء إذا قيل: لعنه الله والبينة والهدى وإن كانا متلازمين فإنهما مختلفان ، فإن البينات يشار بها إلى الآيات المنزلة والهدى إلى ما يستدل به من الأمارات ، وقيل: الأمة فِي أهل الكتاب العالمين أمر النبي عليه السلام ، وقيل: هي عامة ، وسواء خصت الآية أم لم تخص ، فحكم الله عام فِي أن من كتم علماً عن مستحق له استحق العقوبة ، وعلى هذا قال عليه السلام:"من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار"وليس ذلك بمناف يقول من منع حقائق الحكمة عمن لا يستحقها ، فإن ذلك دعاء له أن يترشح لقبولها وحسن سماعها وحفظها لئلا يستعين بها فِي طريق السر ، فليس العلم بأهون على الله - عز وجل - من المال الذي هو عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وقد منع أن يمكن منه السفيه الذي لا يحسن مراعاته ، فقال:
{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} .
واللاعنون: قيل هو عام فِي الملائكة والناس ودواب الأرض ، وما روي أنه تلعنهم الهوام فتقول: (منعنا القطر بمعاصي بني آدم) ، فذلك تنبي أحوالها أنهم مستحقون من الله اللعن ، فكأنه ناطقة بذلك كقولك لمن رأيت له أثرا قبيحاً على فرسه:"إن فرسك تشكوك وتلعنك"، وعلى ذلك قول الشاعرفي ناقته:
يقولُ إذا ادَرَأتُ لها وضيني ...
أهذا دينُهُ أبداً وديني
وأما ما يتصوره بعض الناس فِي أن يكون للهوام تمييز ولعن بالقول ، فذلك ممتنع بوجه مخصوص ليس هذا موضع شرحه.
قوله - عز وجل -:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
الآية (160) - سورة البقرة.