لما كانت التوبة استدراك ما ارتكب من المآثم بما يغمره هن أفعال الخير على ما تقدم ذكره ، فمن يكتم البينات والهدى عن الناس فإنه مع جنايته فِي نفسه أفسد الناس ومنع حقهم ، فإذن لا يكفيه من التوبة أن يغير نيته بالندم والعزم على أن لا يعاود مثله حتى يصلح ما أفسده بقدر طاقته ويظهر ما كتمه ، كما أن من غصبه مالاً يكون موفياً حق التوبة حتى يرد ما غصبه ، وضمن تعالى
أنه يتوب عليهم إذا فعلوا ذلك وبين بقوله: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أنه ليس يفعل ذلك بهم فقط ، بل يتوب على كل تائب ، ولمي حق توبته ويرحمه.
قوله عز وجل:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}
الآيتان (161 ، 162) - سورة البقرة.
لما بين فِي الأول من تاب من ذنبه تاب عليه ورحمه بين فِي هذا أن من مات على كفره فالعقوبة لازمة له ،
إن قيل: أليس قد قال فِي الأول: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} فلم أعاد ههنا فيل لأمرين ، أحدهما أنه عم ههنا ، وخص فِي الأولى الذين يكتمون الحق والثاني أنه فِي الأولى ذكر أن اللعنة تتوجه إليهم وهم يستحقونها ، وفي الثانية ذكر أن اللعنة تقر عليهم ، ولهذا قال عليهم:
ن قيل.
هل الناس عام حتى أكده بأجمعين ؟
قيل: نعم ، وذلك أن المؤمنين وصالحي العباد يلعنونهم ، وهم يلعن بعضهم بعضاً: كما قال: {يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} ، وكل يلعن نفسه ويلعن بعض جوارحه وقواه بعضة ، كما تشهد عليه ، وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} قيل: فِي اللعنة ، وقيل: فِي النار ، وهما فِي الحقيقة واحد ، فكل من عليه اللعنة فهو فِي النار ، وقرئ {وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ، ويكون ذلك عطفآ