فإن قيل: فكيف ندب النبي - عليه السلام أصحابه إلى فسخ الحج والانتقال إلى العمرة ، على هذا قيل: إنه أراد أن ينزلهم عن اعتقادهم أنما الاعتبار فِي أشهر الحج من أكبر الكبائر ، والجناح الميل إلى الإثم ، أصله من الجناح و"جنح الطائر"حرك جناحه ، وبه شبه سير الإبل ، فقيل جنحت الإبل فِي السير ، كقوله طارت ، وجنوح السفينة لتشبه السابح بالطائرة ولهذا قيل: السابح طائر فِي الماء ، والطائر سابح فِي الهواء ، وجنح الظلام ألقى جناحه ، ألا ترى أنه يقال: ألقى الظليم أرواقه كما يقال: ألقى الظالم أرواقه ؟ والتطوع: تكلف طوع أي انقياد ، وهو فِي التعارف التبرع بما لا يلزم ، وإنما قال: لا جناح وذلك واجب ، لأن العرب كانت تكره السعي فِي الجاهلية وقيل: أنها كرهت لصنمين كانا قيل عليهما يعتقدون أنما لهما السعي ، فتأثموا لذلك فأنزل الله تعالى الآية ، وأما الوجوب: فمستفاد من الخبر ، وهو قوله: (أسعوا) فإن الله كتب عليكم السعي ، وروي أن عروة قال لعائشة - رضي لله عنها:"ما أرى جناحي أن لا يطوف بين الصفا والمروة فقالت:"بئسما قلت ، لو كان كذا لقال:"أن لا يطوف بهما".
وقد قيل: إن قوله:"لا جناح"كلام تام ، وإن قوله: (عليه أن يطوف) استئناف يقتضي الوجوب ، وقرئ (يطوع) على تقدير"يتطوع"، وبين بقولها: (فمن تطوع) أي من زاد على ذلك ، فإن الله عز وجل - يبينه فشكر الله - عز وجل - للعبد الإحسان إليها وقد تقدم أن الشكر كما بالقول يكون بالفعل ، وعلى ذلك قوله عز وجل: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} ، وليس شكر الأرفع للأوضع إلاً بقبوله حمده والإفضال عليه بذلك... قوله - عز وجل -:
{أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}
الآية (159) - سورة البقرة.