كلها إنها واحدة قسمها الله بأمره العلي إلى أربعة يبعثها بمشيئته من أربع نواحي، ثم
بين كل ريحين ريح، وهي التي يقال لها: النكباء، ثم بين كل ريحين أيضًا ريح إلى
أن يعم محيها ويشمل مهابها دائرة فلكها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الريح من روح الرحمن - وفي أخرى:"من نفس
الرحمن"- وأمر الله - جلَّ جلالُه - يصاحبها، وينصر الله بها من يشاء وبهلك من يشاء".
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور"والعقيم التي
تعقمت من رحمة الله - جلَّ جلالُه - ، ومنهن مبشرات.
قال الله - عز وجل -: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)
وهي تسير السحاب، أي: تبعثه بإذن الله تعالى وتطرده فتظهره.
واللواقح منهن ما قد شاء الله - جلَّ جلالُه - أن يخلق بهن في الهواء سحابًا، وقد يكون
لقاحها ظاهرًا بأن يخرج من البحر فيمتلئ ماء حكمًا وعينًا، فلا يجري على موضع
من الجو إلا خلق الله منها السحاب، وخلق الماء في السحاب، فلا يزال السحاب
ينتشر ويبسط، والهواء ينماع ويتجمع إليها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا نشأت بَحْرِيَّة"
ثمَّ تشاءمَت فَهي عَين غُدَيقَة"."
حدث - صلى الله عليه وسلم - عن معهد من معاهد رحمة الله - جلَّ جلالُه - ، وعادة أجراها - عز وجل - من فتوحاته
وتهاويل البحار أبدًا؛ لانخراق الرياح عليها وتحركها فيها، فيكون العصف من داخله
ومن خارجه، وحينئذٍ يأتي الموج من كل مكان، والروح أول للريح، والريح أول
للهواء، والهواء بما فيه من الروح والأمر بمشيئة الله جلَّ ذكره أول الروح، والريح
أول للماء في الهواء، والماء أول لسائر موجودات الدنيا عند وجود كل حي وكل
نبات وشجر وحيوان وغير ذلك.
يقول الله جل من قائل: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ
مَعْلُومٍ (21) .
وثم قال - عز وجل -: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا
أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) .
(فصل)