ثم كذلك تحتاج العروق التي تحتها ليأخذ عنها ما تسلمه إليها لتسلمه إلى ما
يليها، محتاجة إلى الكبد لتأخذه عنها، كما يحتاج الكبد إليها لتورده عليها، ثم
كذلك القول في الكبد والمعدة والمريء والفم، والأداة التي هي المنهضة إليها
المهيئة لها.
كما أن أصناف العالم المسخرة للقيام برزقه في أن الأسفل من ذلك محتاج
إلى الذي فوقه ليأخذ عنه، كما احتاج ما فوقه إلى ما تحته لتسلمه إليه، والذي تحت
هذا محتاج إليه ليأخذه عنه ماله، ليأخذه كاحتياج الذي فوقه ليسلم إليه ما أمر به،
وجعل تسليم هكذا، فالأرض مسخرة لضمه وإنباته، والسماء يسقيه والماء ليغذوه،
والريح لتلقحه وتعديل رطوبته، والشمس لتقويته وتصليبه.
وكذلك القول في سائر أصناف العالم في تعلق بعضها ببعض، وتعلق ذلك
بالحاجة إلى الإنسان الذي ضمنت القيام برزقه كالقول في هذا سواء، فتفهم هذا
تجده كذلك إن شاء الله.
قال الله عز من قائل: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ...) .
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) . أي: ما سفل آيات على ما علا، وما ظهر شاهد لما
بطن، وبالفكر الصائب يستخرج الرأي (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .
(فصل)
ثم اعتبر حاجة الإنسان بعضه إلى بعض في غير الغذاء أيضًا تجد الجسم
محتاجًا بعضه إلى بعض.
بيان ذلك: القلب محتاج إلى البدن؛ لأنه كالحامل له، به يبقى وبه يقوم،
والبدن يحتاج إلى القلب؛ لأنه كالآلة له، به تظهر أفعاله وبه تصح.
ثم الجسم محتاج كله إلى كله، كل واحد من أعضاء المنافع محتاج مفتقرًا إلى
الآلات التي لها الأفعال العجيبة، كالعصب الذي يحركه، والمفاصل والأصابع التي
يتهيأ له بها القبض والبسط والتقلب والنهوض والقيام والقعود، وكالمعدة والكبد
والطحال والمرارة والمثانة والرئة، وسائر أعضاء المنافع وآلاتها.
ثم جميع أعضاء الآلات آلات المنافع محتاجة إلى الجسم، والجسم محتاج