العلم القدير، فسبحانه وبحمده جعل عيشهم فيما كأن يكون به هلاكهم، والأزمنة
متصلة بالرياح الهابة في الجهات الأربع على حكمته المقسومة في تدبيره الكريم،
وفتح جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها - واستخدامه لها في مصالح العباد.
والرياح مقسمة على الطبائع الأربع، والطبائع عبارة عن حدود جعل الله جلَّ
ذكره لتناهي الفتحين حين ارتكاض ذينك البحرين، فحد لهذا أن يكون حارًا يابسًا،
وقدر أن يكون الماء المنزل من فتح رحمته باردًا رطبًا، غلب به رحمته على غضبه
بأن رطب اليابس وبرَّد الحار.
ثم فَصل خلقه عن ذلك الماء، وأخرج فيما خلقه عنه وعن الأرض بواسطة
ذينك الفتحين شبه الآباء والأمهات والأعمام والأخوال في الأبناء، وفي اللذاذات
والحلاوات والمرارات والمنافع والمضار، وجميع المعاني كلها بأوزان موزونة
وحدود محدودة، وللطبع من الأوصاف المذمومة، فالرياح أول لهذا التنزيل.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) (بُشْرًا بَيْنَ
يَدَيْ رَحْمَتِهِ)وهي اللواقح أيضًا فتلقح للأجواء ماء، وينشر الله
السحاب على ما في الأجواء من [نفَسَين] .
فمنها: حارة تلقح الأجسام والثمار.
ومنها: باردة تبرد الأنفاس وتشد ما حلته الحرارة.
ومنها: رطبة ترطب ما أيبس الحر والبرد.
ومنها: يابسة تشد ما ترطب، فأفرط لتنشيفها الرطوبات الزائدة، والرياح متصلة
بالرحمة بواسطة [المشيئة] العالية.
قال الله جل قوله وتعالى علاؤه وشأنه:(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ
يَدَيْ رَحْمَتِهِ)وهي متصلة بالسحاب، قال الله - جلَّ جلالُه -:(حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا
سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى)
ومثله كثير.
والسحاب متصلة بالماء، والماء متصل بالفتح من عنده - جلَّ جلالُه - بالرحمة منه،
والسحاب مسخر بين السماء والأرض تجمع الرياح، منها ما تفرق، منها ما انطبق،